فصل: تفسير الآيات رقم (38- 45)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 26‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏21‏)‏ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏22‏)‏ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ‏(‏23‏)‏ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏24‏)‏ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏25‏)‏ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الارض‏}‏ أي‏:‏ فأدخله في الأرض فجعله ينابيع‏.‏ يعني‏:‏ عيوناً في الأرض تنبع‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ جارياً في الأرض، وهي تجري فيها‏.‏ ويقال‏:‏ جعل فيها أنهاراً وعيوناً ‏{‏ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ‏}‏ أحمر، وأصفر، وأخضر، ‏{‏ثُمَّ يَهِيجُ‏}‏ أي‏:‏ يتغير ‏{‏فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً‏}‏ أي‏:‏ يابساً بعد الخضرة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَهِيجُ‏}‏ يعني‏:‏ ييبس‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏يَهِيجُ‏}‏ أي‏:‏ يتم، ويشتد من هاج يهيج‏.‏ أي‏:‏ تم يتم ‏{‏فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً‏}‏ متغيراً عن حاله، ‏{‏ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما‏}‏ قال القتبي‏:‏ ‏{‏حطاما‏}‏ مثل الرفات، والفتات‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الحطام ما تفتت، وتكسر من النبت‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏حطاما‏}‏ يعني‏:‏ هالكاً ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ لذكرى‏}‏ أي‏:‏ فيما ذكر لعظة ‏{‏لاِوْلِى الالباب‏}‏ يعني‏:‏ لذوي العقول من الناس ‏{‏أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام‏}‏ يعني‏:‏ وسع الله قلبه للإسلام‏.‏ ويقال‏:‏ لين الله قلبه لقبول التوحيد، ‏{‏فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ على هدى من الله تعالى‏.‏ وجوابه مضمر‏.‏ يعني أفمن شرح الله صدره للإسلام، واهتدى، كمن طبع على قلبه، وختم على قلبه فلم يهتد‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن‏.‏ لأن فيه بيان الحلال والحرام‏.‏ فهو على نور من ربه لمن تمسك به‏.‏ ويقال‏:‏ على نور يعني‏:‏ التوحيد، والمعرفة‏.‏ وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام‏}‏ قالوا‏:‏ فكيف ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «إذا دَخَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ انْفَسَحَ، وَانْشَرَحَ»‏.‏ قالوا‏:‏ فهل لذلك علامة‏؟‏ قال‏:‏ «نَعَمْ‏.‏ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ»‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ‏}‏ يعني‏:‏ الشدة من العذاب ‏{‏للقاسية قُلُوبُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لمن قست، ويبست قلوبهم، ‏{‏مّن ذِكْرِ الله‏}‏ تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ القاسية‏.‏ الخالية من الخير، ‏{‏أولئك‏}‏ يعني‏:‏ أهل هذه الصفة ‏{‏فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ في خطأ بيّن‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث‏}‏ يعني‏:‏ أحكم الحديث، وهو القرآن‏.‏ وذلك أن المسلمين قالوا لبعض مؤمني أهل الكتاب، نحو عبد الله بن سلام‏:‏ أخبرنا عن التوراة، فإن فيها علم الأولين والآخرين‏.‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث‏}‏ يعني‏:‏ أنزل عليكم أحسن الحديث، وهو القرآن‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَحْسَنَ الحديث‏}‏ يعني‏:‏ أحسن من سائر الكتب، لأن سائر الكتب صارت منسوخة بالقرآن، ‏{‏كتابا متشابها‏}‏ يعني‏:‏ يشبه بعضه بعضاً، ولا يختلف‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏متشابها‏}‏ يعني‏:‏ موافقاً لسائر الكتب في التوحيد، وفي بعض الشرائع‏.‏

وروي عن الحسن البصري أنه قال‏:‏ ‏{‏متشابها‏}‏ يعني‏:‏ خياراً لا رذالة فيه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏متشابها‏}‏ اشتبه على الناس تأويله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏مَّثَانِيَ‏}‏ يعني‏:‏ أن الأنباء، والقصص، تثنى فيه‏.‏ ويقال‏:‏ سمي مثاني، لأن فيه سورة المثاني‏.‏ يعني‏:‏ سورة الفاتحة ‏{‏الحمد للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏تَقْشَعِرُّ مِنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ ترتعد مما فيه من الوعيد، ‏{‏جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏تَقْشَعِرُّ مِنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ تتحرك مما في القرآن من الوعيد‏.‏ ويقال‏:‏ ترتعد منه الفرائض‏.‏ ‏{‏ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بعد الاقشعرار ‏{‏إلى ذِكْرِ الله‏}‏ من آية الرحمة، والمغفرة‏.‏ يعني‏:‏ إذا قرأت آيات الرجاء، والرحمة، تطمئن قلوبهم، وتسكن، ‏{‏ذلك‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء‏}‏ يعني‏:‏ بالقرآن من يشاء الله أن يهديه إلى دينه ‏{‏وَمَن يُضْلِلِ الله‏}‏ عن دينه ‏{‏فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ‏}‏ يعني‏:‏ لا يقدر أحد أن يهديه، بعد خذلان الله تعالى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب‏}‏ يعني‏:‏ أفمن يدفع بوجهه شدة سوء العذاب، وجوابه مضمر‏.‏ يعني‏:‏ هل يكون حاله كحال من هو في الجنة‏.‏ يعني‏:‏ ليس الضال الذي تصل النار إلى وجهه، كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليسا سواء‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ أصل الاتقاء في اللغة، الإوتقاء، وهو التستر‏.‏ يعني‏:‏ وجهه إلى النار كالذي لا يفعل ذلك به‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب‏}‏ يعني‏:‏ يجر على وجهه في النار، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فى ءاياتنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 40‏]‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب‏}‏ معناه‏:‏ أنه يلقى في النار مغلولاً، لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، ‏{‏يَوْمَ القيامة وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ‏}‏ يعني‏:‏ للكافرين، ‏{‏ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ‏}‏ من التكذيب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني من قبل قومك، رسلهم، ‏{‏فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يعلمون، ولا يحتسبون، وهم غافلون‏.‏ ‏{‏فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى‏}‏ العذاب ‏{‏فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى فِى الحياة الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ أعظم مما عذبوا به في الدنيا ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ولكنهم لا يعلمون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 31‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏27‏)‏ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏28‏)‏ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏29‏)‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ‏(‏30‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ‏}‏ يعني‏:‏ بيّنا في هذا القرآن من كل شيء‏.‏ وقد بيّن بعضه مفسراً، وبعضه مبهماً مجملاً، ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لكي يتعظوا ‏{‏قُرْءاناً عَرَبِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ أنزلناه قرآناً عربياً بلغة العرب ‏{‏غَيْرَ ذِى عِوَجٍ‏}‏ يعني‏:‏ ليس بمختلف، ولكنه مستقيم‏.‏ ويقال‏:‏ غير ذي تناقض‏.‏ ويقال‏:‏ غير ذي عيب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏غَيْرَ ذِى عِوَجٍ‏}‏ أي‏:‏ غير مخلوق‏.‏ قال أبو الليث رحمه الله‏:‏ حدثنا محمد بن داود‏.‏ قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد بإسناده‏.‏ قال‏:‏ حدثنا أبو حاتم الداري، عن سليمان بن داود العتكي، عن يعقوب بن محمد بن عبد الله الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ‏}‏ قال‏:‏ غير مخلوق ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ أي‏:‏ لكي يتقوا الشرك ‏{‏ضَرَبَ الله مَثَلاً‏}‏ أي‏:‏ بيّن شبهاً ‏{‏رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون‏}‏ أي‏:‏ عبداً بين موالي مختلفين يأمره، هذا بأمر، وينهاه هذا عنه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏متشاكسون‏}‏ أي‏:‏ مختلفون، يتنازعون، ‏{‏وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ‏}‏ أي‏:‏ خالصاً لرجل لا شركة فيه لأحد‏.‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمر، ‏{‏سَالِماً‏}‏ بالألف، وكسر اللام‏.‏ والباقون ‏{‏قِيلاً سلاما‏}‏ بغير ألف، ونصب السين‏.‏ فمن قرأ‏:‏ سَالِماً فهو اسم الفاعل على معنى سلم، فهو سالم‏.‏ ومعناه‏:‏ الخالص‏.‏ ومن قرأ ‏{‏سلاما‏}‏ فهو مصدر‏.‏ فكأنه أراد به رجلاً ذا سلم لرجل‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ هل يستوي من عبد آلهة مختلفة، كمن عبد رباً واحداً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الرجل الكافر، والشركاء الشياطين، والآلهة، وَرَجُلاً سَلَماً‏.‏ المؤمن يعمل لله تعالى وحده‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذه المثل للراغب، والزاهد‏.‏ فالراغب شغلته أمور مختلفة، فلا يتفرغ لعبادة ربه‏.‏ فإذا كان في العبادة، فقلبه مشغول بها، والزاهد قد يتفرغ عن جميع أشغال الدنيا، فهو يعبد ربه خوفاً وطمعاً، ‏{‏هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً‏}‏ يعني‏:‏ عنده في المنزلة يوم القيامة‏.‏

‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏ حين خصهم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏ على تفضيل من اختاره، على من اشتغل بما دونه‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ قولوا الحمد لله، ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أَنَّ عبادة رب واحد، خير من عبادة أرباب شتى‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ أنهما لا يستويان‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ توحيد ربهم‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ‏}‏ ذلك أن كفار قريش قالوا‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 30‏]‏، يعني‏:‏ ننتظر موت محمد عليه السلام فنزل‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أنت ستُموت، وهم سيموتون‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ‏}‏ يعني‏:‏ إنك لميت لا محالة، وإنهم لميتون لا محالة، والشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه‏.‏

فالخلق كلهم إذا كانوا بقرب من الموت، فكل واحد منهم يموت لا محالة، فسماهم ميتين‏.‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ تتكلمون بحججكم‏.‏ الكافر مع المؤمن، والظالم مع المظلوم‏.‏ فإن قيل‏:‏ قد قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 28‏]‏ قيل له‏:‏ إن في يوم القيامة ساعات كثيرة، وأحوالها مختلفة، مرة يختصمون، ومرة لا يختصمون‏.‏ كما أنه قال‏:‏ فهم لا يتساءلون، وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 27‏]‏ يعني‏:‏ في حال يتساءلون، وفي حال لا يتساءلون، وهذا كما قال في موضع آخر‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْألُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 39‏]‏ وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 92‏]‏ وكما قال في آية أخرى‏:‏ لا يتكلمون، وفي آية أخرى أنهم يتكلمون، ونحو هذا كثير في القرآن‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لاَ تَزَال الخُصومَة بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتى تَتَخَاصَم الرُّوح والجَسَد، فَيَقُول الجَسَد‏:‏ إِنَّمَا كُنْتُ بِمَنْزِلَةِ جِذع مُلْقَى، لاَ أَسْتَطِيع شَيْئاً‏.‏ وَتَقُولُ الرُّوح‏:‏ إِنَّمَا كُنْتُ رِيحاً، لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْمَلَ شَيْئاً‏.‏ فَضُرِبَ لَهُما مَثَلُ الأعْمَى والمُقْعَد، فَحَمَلَ الأَعْمَى المُقْعَد، فَيَدُلَّهُ المُقْعَد بِبَصَرِهِ، وَيَحْمِله الأعْمَى بِرجْلَيه»‏.‏ وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال‏:‏ سألت أبا العالية عن قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏}‏ فكيف هذا‏؟‏ قال‏:‏ أما قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ‏}‏ فهو لأهل الشرك، وأما قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏}‏ فهو لأهل القبلة، يختصمون في مظالم ما بينهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 37‏]‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ‏(‏32‏)‏ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏(‏33‏)‏ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏34‏)‏ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏35‏)‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ‏(‏36‏)‏ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ‏(‏37‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله‏}‏ أي‏:‏ فلا أحد أظلم ممن كذب على الله بأن معه شريكاً، ‏{‏وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَاءهُ‏}‏ يعني‏:‏ بالقرآن، وبالتوحيد‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَكَذَّبَ بالصدق‏}‏ يعني‏:‏ بالصادق وهو النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين‏}‏ يعني‏:‏ مأوى للذين يكفرون بالقرآن‏.‏ فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التحقيق كقوله‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 8‏]‏‏.‏ ‏{‏والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بالقرآن ‏{‏وَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ أصحابه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ المؤمنون‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ هو في موضع جماعة‏.‏ ومعناه‏:‏ والذين جاؤوا بالصدق، وصدقوا به، وهذا موافق لخبر ابن مسعود‏.‏ وقال قتادة، والشعبي، ومقاتل، والكلبي‏:‏ ‏{‏والذى جَاء بالصدق‏}‏ يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنون‏.‏ وذكر عن علي بن أبي طالب أنه قال‏:‏ ‏{‏والذى جَاء بالصدق‏}‏ يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَصَدَّقَ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ أبو بكر ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون‏}‏ الذين اتقوا الشرك، والفواحش‏.‏ وقرأ بعضهم‏:‏ وَصَدَقَ بالتخفيف‏.‏ يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الناس كما أنزل عليه، ولم يزد في الوحي شيئاً، ولم ينقص من الوحي شيئاً‏.‏

‏{‏لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ لهم ما يريدون، ويحبون في الجنة، ‏{‏ذَلِكَ جَزَاء المحسنين‏}‏ أي‏:‏ ثواب الموحدين، المطيعين، المخلصين ‏{‏لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ليمحو عنهم، ويغفر لهم، ‏{‏أَسْوَأَ الذى عَمِلُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أقبح ما عملوا، مخالفاً للتوحيد، ‏{‏وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ثوابهم ‏{‏بِأَحْسَنِ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ يعني يجزيهم بالمحاسن، ولا يجزيهم بالمساوئ، لأنه ليس لهم ذنب، ولا خطايا، فلا يجزيهم بمساوئهم‏.‏

‏{‏أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ‏}‏ قرأ حمزة، والكسائي‏:‏ عِبَادَهُ بالألف بلفظ الجماعة‏.‏ يعني‏:‏ الذين صدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، والباقون عَبْدَه بغير أَلف‏.‏ يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ‏}‏ يعني‏:‏ بالذين يعبدون من دونه، وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تزال تقع في آلهتنا، فاتقِ كيلا يصيبك منها معرة، أو سوء‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ‏}‏ الآية‏.‏ وروى معمر عن قتادة قال‏:‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها، فمشى إليها بالفأس‏.‏ فقالت له‏:‏ قيمتها يا خالد احذر، فإن لها شدة، لا يقوم لها أحد، فمشى إليها خالد، فهشم أنفها بالفأس‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ‏}‏ يعني‏:‏ الأنبياء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ‏}‏ يعني‏:‏ من يخذله الله عن الهدى، فما له من مرشد، ولا ناصر ‏{‏وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ‏}‏ أي‏:‏ ليس له أحد يخذله ‏{‏أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى انتقام‏}‏ يعني‏:‏ عزيزاً في ملكه، ذي انتقام من عدوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 45‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ‏(‏38‏)‏ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏39‏)‏ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‏(‏40‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏41‏)‏ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏42‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ‏(‏43‏)‏ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏44‏)‏ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله‏}‏ فعل ذلك، ‏{‏قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ يعني‏:‏ ما تعبدون من دون الله من الآلهة، ‏{‏إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرّ‏}‏ يعني‏:‏ إنْ أصابني الله ببلاء، ومرض في جسدي، وضيق في معيشتي، أو عذاب في الآخرة، ‏{‏هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ‏}‏ يعني‏:‏ هل تقدر الأصنام على دفع ذلك عني، ‏{‏أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ‏}‏ أي‏:‏ بنعمة، وعافية، وخير، ‏{‏هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ‏}‏ يعني‏:‏ هل تقدر الأصنام على دفع تلك الرحمة عني‏.‏ قرأ أبو عمر‏:‏ كَاشِفَاتٌ‏.‏ بالتنوين، ضُرَّهُ‏:‏ بالنصب، مُمْسِكَاتٌ‏:‏ بالتنوين، رَحْمَتَهُ‏:‏ بالنصب، والباقون‏:‏ بغير تنوين، وكسر ما بعده على وجه الإضافة‏.‏ فمن قرأ بالتنوين‏:‏ نصب ضره ورحمته، لأنه مفعول به ‏{‏قُلْ حَسْبِىَ الله‏}‏ يعني‏:‏ يكفيني الله من شر آلهتكم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏حَسْبِىَ الله‏}‏ يعني‏:‏ أثق به ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ أي‏:‏ فوضت أمري إلى الله، ‏{‏عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون‏}‏ أي‏:‏ يثق به الواثقون‏.‏ فأنا متوكل، وعليه توكلت‏.‏

‏{‏قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ في منازلكم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏على مَكَانَتِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ على قدر طاقتكم، وجهدكم، ‏{‏إِنّى عامل‏}‏ في إهلاككم‏.‏ لأنهم قالوا له‏:‏ إن لم تسكت عن آلهتنا، نعمل في إهلاكك‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ‏}‏ إهلاكي في مكانتكم ‏{‏إِنّى عامل‏}‏ في إهلاككم ‏{‏فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ من نجا، ومن هلك‏.‏ قرأ عاصم في رواية أبي بكر‏:‏ مكاناتكم بلفظ الجماعة‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏مَكَانَتِكُمْ‏}‏ والمكانة، والمكان واحد‏.‏

‏{‏مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ‏}‏ أي‏:‏ من يأتيه عذاب الله، يهلكه، ‏{‏وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ دائم لا ينقطع أبداً‏.‏

‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب لِلنَّاسِ بالحق‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا عليك جبريل بالقرآن للناس بالحق‏.‏ يعني‏:‏ لتدعو الناس إلى الحق، وهو التوحيد ‏{‏فَمَنُ اهتدى‏}‏ أي‏:‏ وحّد، وصدق بالقرآن، وعمل بما فيه فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي‏:‏ ثواب الهدى لنفسه، ‏{‏وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا‏}‏ يعني‏:‏ أعرض ولم يؤمن بالقرآن، فقد أوجب العقوبة على نفسه‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ‏}‏ يعني‏:‏ ما أنت يا محمد عليهم بحفيظ‏.‏ ويقال‏:‏ بمسلط‏.‏ وهذا قبل أن يؤمر بالقتال‏.‏

‏{‏الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا‏}‏ قال الكلبي‏:‏ الله يقبض الأنفس عند موتها ‏{‏والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا‏}‏ فيقبض نفسها إذا نامت أيضاً، ‏{‏فَيُمْسِكُ التى قضى عَلَيْهَا الموت‏}‏ فلا يردها، ‏{‏وَيُرْسِلُ الاخرى‏}‏ التي لم تبلغ أجلها، ‏{‏إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ أي‏:‏ يردها إلى أجلها‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏الله يَتَوَفَّى الانفس‏}‏ عند أجلها، والتي قضى عليها الموت، فيمسكها عن الجسد‏.‏ على وجه التقديم ‏{‏والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا‏}‏ فتلك الأخرى التي أرسلها إلى الجسد، إلى أجل مسمى‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ الله يقبض أنفس الأحياء، والأموات‏.‏ فيمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء إلى أجل مسمى‏.‏

‏{‏إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعتبرون‏.‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ قُضِيَ عليها بضم القاف، وكسر الضاد، وفتح الياء، وبضم التاء في الموت، على فعل ما لم يسم فاعله‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏قضى عَلَيْهَا‏}‏ بالنصب‏.‏ يعني‏:‏ قضى الله عليها الموت، ونصب الموت لأنه مفعول به‏.‏ ‏{‏أَمِ اتخذوا مِن دُونِ الله‏}‏ الميم صلة‏.‏ معناه‏:‏ اتخذوا‏.‏ فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ والزجر‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏أَمِ اتخذوا مِن دُونِ الله‏}‏ ‏{‏شُفَعَاء‏}‏ يعني‏:‏ يعبدون الأصنام، لكي تشفع لهم‏.‏ ‏{‏قُلْ أُو لَّوْ كَانُواْ اَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعبدونهم، وإن كانوا لا يعقلون شيئاً‏.‏ ‏{‏قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً‏}‏ أي‏:‏ قل يا محمد‏:‏ لله الأمر والإذن في الشفاعة، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والارض وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلى العظيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏ وكما قال‏:‏ ‏{‏يتخافتون بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 103‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لَّهُ مُلْكُ السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ خزائن السموات والأرض‏.‏ ويقال‏:‏ نفاذ الأمر في السموات والأرض‏.‏ وله نفاذ الأمر في السموات والأرض‏.‏ ‏{‏ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ في الآخرة ‏{‏وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت‏}‏ يعني‏:‏ إذا قيل لهم‏:‏ قولوا لا إله إلا الله، اشمأزت‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يعني انقبضت عن التوحيد‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ أعرضت، ونفرت‏.‏ وقال القتبي‏:‏ العرب تقول‏:‏ اشمأز قلبي من فلان‏.‏ أي‏:‏ نفر منه‏.‏ ‏{‏قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة‏}‏ يعني‏:‏ لا يصدقون بيوم القيامة‏.‏ ‏{‏وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الآلهة ‏{‏إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏}‏ بذكرها‏.‏ وذلك أنه حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، وذكر آلهتهم استبشروا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 53‏]‏

‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏46‏)‏ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ‏(‏47‏)‏ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏48‏)‏ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏49‏)‏ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏50‏)‏ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏51‏)‏ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏52‏)‏ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏53‏)‏‏}‏

قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والارض‏}‏ صار نصباً بالنداء‏.‏ يعني‏:‏ يا خالق السموات والأرض، ‏{‏عالم الغيب والشهادة‏}‏ يعني‏:‏ عالماً بما غاب عن العباد، وما لم يغب عنهم‏.‏ ويقال‏:‏ عالماً بما مضى، وما لم يمض، وما هو كائن‏.‏ ويقال‏:‏ عالم السر والعلانية‏.‏ ‏{‏أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ‏}‏ يعني‏:‏ أنت تقضي في الآخرة بين عبادك، ‏{‏فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ من أمر الدين‏.‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ‏}‏ أي‏:‏ كفروا ‏{‏مَّا فِى الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ‏}‏ أي‏:‏ مثل ما في الأرض، ‏{‏لاَفْتَدَوْاْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ لفادوا به أنفسهم ‏{‏مِن سُوء العذاب‏}‏ أي‏:‏ من شدة العذاب ‏{‏يَوْمُ القيامة‏}‏‏.‏ وفي الآية مضمر‏.‏ أي‏:‏ لا يقبل منهم ذلك‏.‏

‏{‏وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله‏}‏ أي‏:‏ ظهر لهم حين بعثوا من قبورهم، ‏{‏مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ‏}‏ في الدنيا أنه نازل بهم‏.‏ يعني‏:‏ يعملون أعمالاً يظنون أن لهم فيها ثواباً، فلم تنفعهم مع شركهم، فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب، ‏{‏وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ‏}‏ أي‏:‏ عقوبات ما عملوا، ‏{‏وَحَاقَ بِهِم‏}‏ أي‏:‏ نزل بهم عقوبة، ‏{‏مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ‏}‏ يعني‏:‏ باستهزائهم بالمسلمين‏.‏ ويقال‏:‏ باستهزائهم بالرسول، والكتاب، والعذاب‏.‏

‏{‏فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا‏}‏ يعني‏:‏ أصاب الكافر شدة، وبلاء، وهو أبو جهل‏.‏ ويقال‏:‏ جميع الكفار دعانا أي‏:‏ أخلص في الدعاء ‏{‏ثُمَّ إِذَا خولناه‏}‏ أي‏:‏ بدلنا، وأعطيناه مكانها عافية، ‏{‏نِعْمَةً مّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ‏}‏ أي‏:‏ على علم عندي‏.‏ يعني‏:‏ أعطاني ذلك، لأنه علم أني أهل لذلك‏.‏ ويقال‏:‏ معناه على علم عندي بالدواء‏.‏

‏{‏بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ‏}‏ أي‏:‏ بلية، وعطية، يبتلى بها العبد ليشكر، أو ليكفر، ‏{‏ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن إعطائي ذلك بلية، وفتنة، ‏{‏قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ قال تلك الكلمة‏:‏ الذين من قبل كفار مكة، مثل قارون، وأشباهه‏.‏

‏{‏فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لم ينفعهم ما كانوا يجمعون من الأموال، ‏{‏فأصابهم سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ‏}‏ أي عقوبات ما عملوا‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏والذين ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلاَء‏}‏ يعني‏:‏ من أهل مكة ‏{‏سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ‏}‏ يعني‏:‏ عقوبات ما عملوا، مثل ما أصاب الذين من قبلهم، ‏{‏وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏}‏ أي‏:‏ غير فائتين من عذاب الله، ‏{‏أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء‏}‏ أي‏:‏ يوسع الرزق لمن يشاء، ‏{‏وَيَقْدِرُ‏}‏ أي‏:‏ يقتر على من يشاء، ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ في القبض والبسط ‏{‏لاَيَاتٍ‏}‏ أي‏:‏ لعلامات لوحدانيتي ‏{‏لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ يصدقون بتوحيد الله‏.‏

‏{‏قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ أسرفوا بالذنوب على أنفسهم‏.‏ قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، ‏{‏قُلْ ياعبادى‏}‏ بفتح الياء، والباقون بالإرسال‏.‏ وهما لغتان، ومعناهما واحد، ‏{‏لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله‏}‏ أي‏:‏ لا تيأسوا من مغفرة الله، ‏{‏إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً‏}‏ الكبائر، وغير الكبائر إذا تبتم، ‏{‏إِنَّهُ هُوَ الغفور‏}‏ لمن تاب، ‏{‏الرحيم‏}‏ بعد التوبة لهم‏.‏ وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة‏.‏ قال‏:‏ أصاب قوم في الشرك ذنوباً عظاماً، فكانوا يخافون أن لا يغفر الله لهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية‏:‏ ‏{‏قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ‏}‏‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ‏}‏ بقتل الأنفس في الجاهلية‏.‏ وقال في رواية الكلبي‏:‏ نزلت الآية في شأن وحشي‏.‏ يعني‏:‏ أسرفوا على أنفسهم بالقتل، والشرك، والزنى‏.‏ لا تيأسوا ‏{‏مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً‏}‏ لمن تاب‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ أرجى آية في كتاب الله هذه الآية‏.‏ وهكذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص‏.‏ وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ فيها عظة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 61‏]‏

‏{‏وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ‏(‏54‏)‏ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏55‏)‏ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ‏(‏56‏)‏ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏57‏)‏ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏58‏)‏ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ‏(‏59‏)‏ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ‏(‏60‏)‏ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ارجعوا له، وأقبلوا إلى طاعة ربكم ‏{‏وَأَسْلِمُواْ لَهُ‏}‏ يعني‏:‏ أخلصوا، وأقروا بالتوحيد، ‏{‏مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا تمنعون مما نزل بكم، ‏{‏واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ هذا القرآن أحسن ما أنزل إليهم يعني‏:‏ اتبعوا ما أمرتم به‏.‏ ويقال‏:‏ أحلوا، وحرموا حرامه، ‏{‏مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً‏}‏ أي‏:‏ فجأة، ‏{‏وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ‏}‏ بنزوله، ‏{‏أَن تَقُولَ نَفْسٌ‏}‏ يعني‏:‏ لكي لا تقول نفس‏.‏ ويقال‏:‏ معناه اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خوفاً، قبل أن تصيروا إلى حال الندامة‏.‏

وتقول نفس‏:‏ ‏{‏يَا حَسْرَتَى‏}‏ يعني‏:‏ يا ندامتا، ‏{‏نَفْسٌ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله‏}‏ يعني‏:‏ تركت، وضيعت من طاعة الله‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني ما ضيعت من ذكر الله‏.‏ ويقال‏:‏ يا ندامتاه على ما فرطت في أمر الله‏.‏ ‏{‏وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين‏}‏ يعني‏:‏ وقد كنت من المستهزئين بالقرآن في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ وقد كنت من اللاهين‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ في جنب الله، وذات الله واحد‏.‏

‏{‏أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى‏}‏ يعني‏:‏ قبل، أو تقول‏:‏ لو أن الله هداني بالمعرفة، ‏{‏لَكُنتُ مِنَ المتقين‏}‏ أي‏:‏ من الموحدين‏.‏ يعني‏:‏ لو بيّن لي الحق من الباطل، لكنت من المؤمنين، ‏{‏أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب‏}‏ يعني‏:‏ من قبل أن تقول‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً‏}‏ أي‏:‏ رجعة إلى الدنيا ‏{‏فَأَكُونَ مِنَ المحسنين‏}‏ يعني‏:‏ من الموحدين‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى‏}‏ يعني‏:‏ القرآن، ‏{‏فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت‏}‏ أي‏:‏ تكبرت، وتجبرت عن الإيمان بها، ‏{‏وَكُنتَ مِنَ الكافرين‏}‏‏.‏ قرأ عاصم الجحدري‏:‏ ‏{‏بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى‏}‏ يعني‏:‏ القرآن‏.‏ ‏{‏فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت‏}‏، وَكُنْتِ، كلها بالكسر‏.‏ وهو اختيار ابن مسعود، وصالح، ومن تابعه من قراء سمرقند‏.‏ وإنما قرأ بالكسر، لأنه سبق ذكر النفس، والنفس تؤنث‏.‏ وقراءة العامة كلها بالنصب، لأنه انصرف إلى المعنى‏.‏ يعني يقال للكافر‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله‏}‏ يعني‏:‏ قالوا‏:‏ بأن لله شريكاً، ‏{‏وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ‏}‏ صار وجوههم رفعاً بالابتداء‏.‏ ويقال‏:‏ معناه مسودة وجوههم ‏{‏أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ‏}‏ أي‏:‏ مأوى للّذين تكبروا عن الإيمان، ‏{‏وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ينجي الله الذين اتقوا الشرك من جهنم‏.‏ قال مقاتل، والكلبي‏:‏ بأعمالهم الحسنة لا يصيبهم العذاب‏.‏ وقال القتبي‏:‏ بمنجاتهم‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي‏:‏ بِمَفَازَاتِهم بالألف، وكذلك عاصم في رواية أبي بكر‏.‏ والباقون ‏{‏بِمَفَازَتِهِمْ‏}‏ بغير ألفِ والمفازة الفوز، والسعادة، والفلاح، والمفازات جمع‏.‏ ‏{‏لاَ يَمَسُّهُمُ السوء‏}‏ أي‏:‏ لا يصيبهم العذاب ‏{‏وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 70‏]‏

‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ‏(‏62‏)‏ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏63‏)‏ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ‏(‏64‏)‏ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏65‏)‏ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏66‏)‏ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏67‏)‏ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ‏(‏68‏)‏ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏69‏)‏ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ‏}‏ أي‏:‏ حفيظ‏.‏ ويقال‏:‏ كفيل بأرزاقهم، ‏{‏لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ بيده مفاتيح السموات والأرض‏.‏ ويقال‏:‏ خزائن السموات والأرض، وهو المطر، والنبات‏.‏ وقال القتبي‏:‏ المقاليد‏:‏ المفاتيح‏.‏ يعني‏:‏ مفاتيحها، وخزائنها، وواحدها إقليد‏.‏ ويقال‏:‏ إنها فارسية، معربة، إكليد‏.‏

‏{‏والذين كَفَرُواْ بئايات الله‏}‏ يعني‏:‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، ‏{‏أولئك هُمُ الخاسرون‏}‏ يعني‏:‏ اختاروا العقوبة على الثواب، ‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى‏}‏ قرأ ابن عامر‏:‏ تأمرونني بنونين، وقرأ نافع‏:‏ ‏{‏تَأْمُرُونّى‏}‏ بنون واحدة، والتخفيف‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بنون واحدة، والتشديد، والأصل‏:‏ تأمرونني بنونين، كما روي عن ابن عامر، إلا أنه أدغم إحدى النونين في الأخرى، وشدد، وتركها نافع على التخفيف‏.‏

‏{‏أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون‏}‏ يعني‏:‏ أيها المشركون تأمروني أن أعبد غير الله ‏{‏وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ الأنبياء بالتوحيد، ‏{‏لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏}‏ أي‏:‏ ثوابك، وإن كنت كريماً عليَّ‏.‏ فلو أشركت بالله، ليحبطنّ عملك ‏{‏وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين‏}‏ في الآخرة‏.‏ فكيف لو شرك غيرك، فالله تعالى علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشرك بالله، ولكنه أراد تنبيهاً لأمته، أنَّ من أشرك بالله، حبط عمله، وإن كان كريماً على الله‏.‏

‏{‏بَلِ الله فاعبد‏}‏ أي‏:‏ استقم على عبادة الله، وتوحيده‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ بل الله فاعبد، أي‏:‏ فوحد الله تعالى‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني أطع الله تعالى، ‏{‏وَكُنْ مّنَ الشاكرين‏}‏ على ما أنعم الله عليك من النبوة، والإسلام، والرسالة‏.‏ ويقال‏:‏ هذا الخطاب لجميع المؤمنين‏.‏ أمرهم بأن يشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم، وأكرمهم بمعرفته، ووفقهم لدينه، ‏{‏وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ أي‏:‏ ما عظموا الله حق عظمته، ولا وصفوه حق صفته، ولا عرفوا الله حق معرفته‏.‏ وذلك أن اليهود والمشركين، وصفوا الله تعالى بما لا يليق بصفاته، فنزل‏:‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ وفيه تنبيه للمؤمنين، لكيلا يقولوا مثل مقالتهم، ويعظموا الله حق عظمته، ويصفوه حق صفته، ‏{‏فَاطِرُ السماوات والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ وَهُوَ السميع البصير‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة‏}‏ أي‏:‏ في قدرته، وملكه، وسلطانه، لا سلطان لأحد عليها، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏مالك يَوْمِ الدين‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏فِى قَبْضَتُهُ‏}‏ أي‏:‏ في ملكه، نحو قولك للرجل‏:‏ هذا في يدك، وقبضتك‏.‏ أي في ملكك‏.‏ ‏{‏والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ‏}‏ أي‏:‏ بقدرته‏.‏ ويقال‏:‏ في الآية تقديم‏.‏ معناه‏:‏ ‏{‏والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ‏}‏ يوم القيامة‏.‏ أي‏:‏ في يوم القيامة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏بِيَمِينِهِ‏}‏ يعني‏:‏ عن يمين العرش‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏بِيَمِينِهِ‏}‏ أي‏:‏ بقدرته نحو قوله‏:‏

‏{‏ياأيها النبى إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فى أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 50‏]‏ يعني‏:‏ ما كانت لهم عليه قدرة‏.‏ وليس الملك لليمين دون الشمال‏.‏ ويقال‏:‏ اليمين هاهنا الحلف، لأنه حلف بعزته، وجلاله، ليطوينّ السموات والأرض‏.‏

ثم نزّه نفسه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تنزيهاً لله تعالى‏.‏ يعني‏:‏ ارتفع، وتعظم عما يشركون‏.‏ يعني‏:‏ عما يصفون له من الشريك، ‏{‏وَنُفِخَ فِى الصور‏}‏ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه سُئِلَ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ هُوَ الْقَرْنُ وَإِنَّ عِظَمَ دَائِرَتِهِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةً، فَيُفْزِعُ الخَلْقَ، ثُمَّ يَنْفُخُ نَفْخَةً أُخْرَى، فَيَمُوتُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ، فَإذَا كَانَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ، تَجَمَّعَتِ الأَرْوَاحُ كُلّهَا في الصُّور، ثُمَّ يَنْفُخُ النَّفْخةَ الثَّالِثَةَ، فَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ كُلُّها كَالنَّحلِ وَكَالزَّنَابِيرِ، وَتَأْتِي كُلُّ رُوح إلَى جَسَدِهَا ‏"‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ يموت من في السموات، ومن في الأرض، ‏{‏إِلاَّ مَن شَاء الله‏}‏ يعني‏:‏ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت‏.‏ ويقال‏:‏ أرواح الشهداء‏.‏ وروي عن سعيد بن جبير أنه قال‏:‏ استثنى الله تعالى الشهداء حول العرش متقلدين بسيوفهم»‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ النفخة نفختان‏.‏ وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ يُنْفَخُ فِي الصُّور ثَلاَثُ نَفَخَاتٍ‏:‏ الأُوْلَى نَفْخَةُ الفَزَعِ؛ والثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينِ ‏"‏ وهو قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ينظرون ماذا يأمرهم‏.‏ ويقال‏:‏ ينظرون إلى السماء كيف غيرت، وينظرون إلى الأرض كيف بدلت، وينظرون إلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب، وينظرون فيما عملوا في الدنيا، وينظرون إلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم، واشتغلوا بأنفسهم، وينظرون إلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم‏.‏

‏{‏وَأَشْرَقَتِ الارض‏}‏ يعني‏:‏ أضاءت ‏{‏بِنُورِ رَبّهَا‏}‏ أي‏:‏ بعدل ربها‏.‏ ويقال‏:‏ وأشرقت وجوه من على الأرض بمعرفة ربها، وأظلم وجوه من على الأرض بنكرة ربها‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا من المكتوم الذي لا يفسر‏.‏ ‏{‏وَوُضِعَ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ ووضع الحساب‏.‏ ويقال‏:‏ ووضع الكتاب في أيدي الخلق، في أيمانهم، وشمائلهم ‏{‏وَجِئ بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق‏}‏ أي‏:‏ بين الخلق بالعدل، بين الظالم والمظلوم، وبين الرسل، وقومهم، ‏{‏وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً‏.‏ ‏{‏وَوُفّيَتْ‏}‏ أي‏:‏ وفرت، ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ‏}‏ أي‏:‏ جزاء ما عملت من خير، أو شر، ‏{‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ‏}‏، لأنه قد سبق ذكر قوله‏:‏ ‏{‏وَأَشْرَقَتِ الارض بِنُورِ‏}‏ ثم أخبر أنه لم يدع الشهداء ليشهدوا بما يعلموا بل هو أعلم بما يفعلون، وإنما يدعو الشهداء لتأكيد الحجة عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 75‏]‏

‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏71‏)‏ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ‏(‏72‏)‏ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ‏(‏73‏)‏ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ‏(‏74‏)‏ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ أي‏:‏ يساق الذين كفروا، ‏{‏إلى جَهَنَّمَ زُمَراً‏}‏ يعني‏:‏ أمة أمة، فوجاً فوجاً، وواحدتها زمرة، ‏{‏حتى إِذَا‏}‏ يعني‏:‏ جهنم، ‏{‏جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها‏}‏ وقال أصحاب اللغة‏:‏ جهنم في أصل اللغة جهنام‏.‏ وهي بئر لا قعر لها‏.‏ فحذفت الألف، وشددت النون، فسميت جهنم‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم‏:‏ ‏{‏فُتِحَتْ‏}‏ بتخفيف التاء‏.‏ والباقون‏:‏ بالتشديد‏.‏ فمن قرأ بالتشديد، فلتكثير الفعل‏.‏ ومن قرأ بالتخفيف، فعلى فعل الواحد‏.‏ وكذلك الاختلاف في الذي بعده‏.‏

‏{‏وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا‏}‏ أي‏:‏ خزنة جهنم، وواحدها خازن‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الواو قد تزاد في الكلام، والمراد به حذفه، كقوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 96‏]‏ يعني‏:‏ اقترب، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 71‏]‏ يعني‏:‏ قال لهم‏.‏ وهذا في كلام العرب ظاهر، كما قال امرؤ القيس‏.‏ فلما أجزنا ساحة الحي، وانتحى‏.‏ يعني‏:‏ انتحى بغير واو‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ آدمياً مثلكم تفهمون كلامه ‏{‏يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يقرؤون عليكم ما أوحي إليهم، ‏{‏وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا‏}‏ يعني‏:‏ أنهم يخوّفونكم بهذا اليوم، فكأنه يقول لهم‏:‏ يا أشقياء ألم يأتكم رسل منكم‏؟‏ فأجابوه‏:‏ ‏{‏قَالُواْ بلى‏}‏ فيقرون بذلك في وقت لا ينفعهم الإقرار، ولو كان قولهم‏:‏ بلى في الدنيا، لكان ينفعهم‏.‏ ولكنهم قالوا‏:‏ بلى في وقت لا ينفعهم‏.‏

‏{‏ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين‏}‏ أي‏:‏ وجبت كلمة العذاب في علم الله السابق، أنهم من أهل النار‏.‏ ويقال‏:‏ وجبت كلمة العذاب، وهي قوله الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 18 وغيرها‏]‏ ‏{‏قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ دائمين فيها، ‏{‏فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين‏}‏ أي‏:‏ بئس موضع القرار لمن تكبر عن الإيمان‏.‏

ثم بيّن حال المؤمنين المطيعين، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ اتقوا الشرك، والفواحش، ‏{‏إِلَى الجنة زُمَراً‏}‏ يعني‏:‏ فوجاً فوجاً، بعضم قبل الحساب اليسير، وبعضهم بعد الحساب الشديد، على قدر مراتبهم، ‏{‏حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها‏}‏ يعني‏:‏ وقد فتحت أبوابها، ويقال‏:‏ ‏{‏وَفُتِحَتْ أبوابها‏}‏ قبل مجيئهم تكريماً، وتبجيلاً لهم‏.‏ ويقال‏:‏ الواو زيادة في الكلام‏.‏ ويقال‏:‏ هذه الواو منسوقة على قوله‏:‏ فتحت‏.‏ كما يقال في الكلام‏:‏ دخل زيد، وعمرو، ‏{‏وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين‏}‏ أي‏:‏ فزتم، ونجوتم‏.‏

ويقال‏:‏ طابت لكم الجنة‏.‏ وقال‏:‏ بعض أهل العربية‏:‏ في الآية دليل على أن أبواب الجنة ثمانية، لأنه قد ذكر بالواو‏.‏ وإنما يذكر بالواو، إذا بلغ الحساب ثمانية، كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل ربى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظاهرا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 22‏]‏ فذكر الواو عند الثمانية، وكما قال‏:‏ ‏{‏التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الامرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ المؤمنين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 112‏]‏ فذكرها كلها بغير واو فلما انتهى إلى الثمانية قال‏:‏ ‏{‏التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الامرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ المؤمنين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 112‏]‏، وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْراً مِّنكُنَّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وَأَبْكَاراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 5‏]‏ ثم قال‏:‏ عند الثمانية‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْراً مِّنكُنَّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وَأَبْكَاراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 5‏]‏ وعرف أن أبواب جهنم سبعة بالآية‏.‏ وهي قوله‏:‏ ‏{‏لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وقال أكثر أهل اللغة‏:‏ ليس في الآية دليل، لأن الواو قد تكون عند الثمانية، وقد تكون عند غيرها، ولكن عرف أن أبوابها ثمانية بالأخبار، ثم إنهم لما دخلوا الجنة حمدوا الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ الحمد للَّهِ‏}‏ يعني‏:‏ الشكر لله، ‏{‏الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ‏}‏ يعني‏:‏ أنجز لنا وعده على لسان رسله، ‏{‏وَأَوْرَثَنَا الارض‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا أرض الجنة، ‏{‏نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء‏}‏ أي‏:‏ ننزل في الجنة، ونستقر فيها، حَيْثُ نَشَاءُ ونشتهي، ‏{‏فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين‏}‏ أي‏:‏ ثواب الموحدين، المطيعين، ‏{‏وَتَرَى الملائكة حَافّينَ‏}‏ أي‏:‏ ترى يا محمد الملائكة يوم القيامة محدقين، ‏{‏مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ‏}‏ أي‏:‏ يسبحونه، ويحمدونه‏.‏

‏{‏وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق‏}‏ أي‏:‏ بين الخلق‏.‏ وهو تأكيد لما سبق من قوله‏:‏ ‏{‏وَأَشْرَقَتِ الارض بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكتاب وَجِئ بالنبيين والشهدآء وَقُضِىَ بَيْنَهُم بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 69‏]‏ ‏{‏وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين‏}‏ يعني‏:‏ لما قضي بينهم بالحق‏.‏ أي‏:‏ بالعدل، وميزوا من الكفار حمدوا الله تعالى‏.‏ وقالوا‏:‏ الحمد لله رب العالمين الذي قضى بيننا بالحق، ونجانا من القوم الظالمين‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ابتدأ الدنيا بالحمد لله رب العالمين‏.‏ وهو قوله‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ الذى خَلَق السموات والارض‏}‏ وختمها بقوله‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏‏.‏

سورة غافر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏2‏)‏ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏حم‏}‏ روي عن ابن عباس أنه قال الحواميم كلها مكية‏.‏ وهكذا روي عن محمد بن الحنفية‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ إِنَّ ‏{‏حم‏}‏ دِيْبَاجُ القُرْآنِ‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَأْ الحَوَامِيم»‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏حم‏}‏ اسم من أسماء الله الأعظم‏.‏ ويقال‏:‏ اسم من أسماء القرآن‏.‏ ويقال‏:‏ قسم أقسم الله بحم‏.‏ ويقال‏:‏ معناه قضى بما هو كائن‏.‏ ويقال‏:‏ حم الأمر أي‏:‏ قدر، وقضى، وتم‏.‏ وقرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم‏:‏ ‏{‏حم‏}‏ بفتح الحاء‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ونافع‏:‏ بين الفتح والكسر، والباقون بالكسر‏.‏ وكل ذلك جائز في اللغة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم‏}‏ يعني‏:‏ إنّ هذا القرآن الذي يقرأه عليكم محمد، هو من عند الله، العَزِيز في سلطانه، وملكه، الْعَلِيمِ بخلقه، وبأعمالهم، ‏{‏غَافِرِ الذنب‏}‏ لمن يقول‏:‏ لا إله إلا الله، مخلصاً، يستر عليه ذنوبه، ‏{‏وَقَابِلِ التوب‏}‏ لمن تاب، ورجع، ‏{‏شَدِيدُ العقاب‏}‏ لمن مات على الشرك، ولم يقل لا إله إلا الله، ‏{‏ذِى الطول‏}‏ يعني‏:‏ ذي الفضل على عباده، والمن والطول في اللغة‏:‏ التفضل‏.‏ يقال‏:‏ طل علي برحمتك أي‏:‏ تفضل‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ذي الطَّوْلِ يعني‏:‏ ذي الغنى عمن لم يوحده‏.‏

ثم وحّد نفسه فقال‏:‏ ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير‏}‏ يعني‏:‏ إليه مصير العباد، ومرجعهم في الآخرة، فيجازيهم بأعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ‏(‏4‏)‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ‏(‏5‏)‏ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏مَا يجادل فِى ءايات الله‏}‏ يعني‏:‏ ما يخاصم في آيات الله بالتكذيب، ‏{‏إِلاَّ الذين كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى البلاد‏}‏ يعني‏:‏ ذهابهم، ومجيئهم في أسفارهم، وتجاراتهم، فإنهم ليسوا على شيء من الدين‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏تَقَلُّبِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ما هم فيه من السعة في الرزق‏.‏

ثم خوّفهم ليحذروا فقال‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والاحزاب مِن بَعْدِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ الأمم من بعد قوم نوح، ‏{‏وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ أرادوا أن يقتلوه، ‏{‏وجادلوا بالباطل‏}‏ أي‏:‏ بالشرك، ‏{‏لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق‏}‏ يعني‏:‏ ليبطلوا به دين الحق، وهو الإسلام، والذي جاء به الرسل‏.‏ ‏{‏فَأَخَذَتْهُمُ‏}‏ أي‏:‏ عاقبتهم، ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ‏}‏ يعني‏:‏ كيف رأيت عذابي لهم‏.‏ أليس قد وجدوه حقاً‏.‏

‏{‏وكذلك حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ سبقت، ووجبت كَلِمَةُ رَبِّكَ، ‏{‏عَلَى الذين كَفَرُواْ‏}‏ بالعذاب، ‏{‏أَنَّهُمْ أصحاب النار‏}‏ يعني‏:‏ يصيرون إليها‏.‏ قرأ نافع، وابن عامر‏:‏ ‏{‏كلمات رَبَّكَ‏}‏ بلفظ الجماعة‏.‏ والباقون‏:‏ كلمة ربك بلفظ الواحد‏.‏ وهي عبارة عن الجنس‏.‏ والجنس يقع على الواحد، وعلى الجماعة، وقرئ في الشاذ‏:‏ إِنَّهم بالكسر على معنى الابتداء، وقراءة العامة بالنصب على معنى البناء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ‏(‏7‏)‏ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏8‏)‏ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏9‏)‏‏}‏

ثم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يَحْمِلُونَ العرش‏}‏ وهم الملائكة، ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهُ‏}‏ من المقربين، ‏{‏يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ يسبحون الله تعالى، ويحمدونه، ‏{‏وَيُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ يصدقون بالله، ‏{‏وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنين‏.‏ وفي الآية‏:‏ دليل فضل المؤمنين، وبيانه، أن الملائكة مشتغلون بالدعاء لهم‏.‏

ثم وصف دعاءهم للمؤمنين وهو قولهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ يعني‏:‏ يقولون‏:‏ يا ربنا، ‏{‏وَسِعْتَ كُلَّ شَئ رَّحْمَةً وَعِلْماً‏}‏ يعني‏:‏ يا ربنا رحمتك واسعة، وعلمك محيط بكل شيء‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ملأت كل شيء نعمة، وعلماً، علم ما فيها من الخلق‏.‏ روى قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال‏:‏ وجدنا أنصح عباد الله، لعباد الله، الملائكة‏.‏ ووجدنا أغش عباد الله، لعباد الله، الشياطين‏.‏ وروى الأعمش، عن إبراهيم قال‏:‏ كان أصحاب عبد الله بن مسعود يقولون‏:‏ الملائكة خير للمسلمين من ابن الكواء، الملائكة يستغفرون لمن في الأرض، وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، وكان ابن الكواء رجلاً خارجياً‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ‏}‏ أي‏:‏ تجاوز عنهم يعني الذين رجعوا عن الشرك، ‏{‏واتبعوا سَبِيلَكَ‏}‏ يعني‏:‏ دينك الإسلام، ‏{‏وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم‏}‏ يعني‏:‏ ادفع عنهم في الآخرة عذاب النار ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ يعني‏:‏ ويقولون‏:‏ رَبَّنَا ‏{‏وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ‏}‏ على لسان رسلك، ‏{‏وَمَنْ صَلَحَ‏}‏ أي‏:‏ من وحّد الله تعالى ‏{‏مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وذرياتهم‏}‏ أي‏:‏ وأدخلهم معهم الجنة أيضاً، ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ العزيز‏}‏ في ملكك، ‏{‏الحكيم‏}‏ في أمرك، ‏{‏وَقِهِمُ السيئات‏}‏ يعني‏:‏ ادفع عنهم العذاب في الآخرة‏.‏ ‏{‏وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ‏}‏ يعني‏:‏ من دفعت العذاب عنه، فقد رحمته‏.‏ قال مقاتل‏:‏ السيئات يعني‏:‏ الشرك في الدنيا، ‏{‏فَقَدْ رَحِمْتَهُ‏}‏ في الآخرة، ‏{‏وذلك هُوَ الفوز العظيم‏}‏ يعني‏:‏ النجاة الوافرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 12‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ‏(‏10‏)‏ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ‏(‏11‏)‏ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ‏}‏ قال مقاتل والكلبي‏:‏ لما عاين الكفار النار، ودخلوها، مقتوا أنفسهم أي‏:‏ لاموا أنفسهم، وغضبوا عليها‏.‏ فتقول لهم خزنة جهنم‏:‏ ‏{‏لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ غضب الله عليكم، وسخطه، أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ ‏{‏أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ‏}‏ أي‏:‏ تجحدون، وتثبتون على الكفر، ‏{‏قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين‏}‏ يعني‏:‏ كنا نطفاً أمواتاً، ‏{‏وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين‏}‏ يعني‏:‏ فأحييتنا، ثم أمتنا عند آجالنا، ثم أحييتنا اليوم‏.‏ وذكر عن القتبي نحو هذا‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إحدى الإماتتين يوم الميثاق، حين صيروا إلى صلب آدم، والأخرى في الدنيا عند انقضاء الأجل، وإحدى الإحيائين في بطن الأمهات، والأخرى في القبر‏.‏

‏{‏فاعترفنا بِذُنُوبِنَا‏}‏ يعني‏:‏ أقررنا بشركنا، وظهر لنا أن البعث حق، ‏{‏فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ‏}‏ يعني‏:‏ فهل سبيل إلى الخروج من النار‏.‏ ويقال‏:‏ فهل من حيلة إلى الرجوع ‏{‏ذلكم‏}‏ يعني‏:‏ يقال لهم ذلك الخلود ‏{‏بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ‏}‏ يعني‏:‏ إذا قيل لكم لا إله إلا الله جحدتم، وأقمتم على الكفر، ‏{‏وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ إذا دعيتم إلى الشرك، وعبادة الأوثان، تصدقوا ‏{‏فالحكم للَّهِ العلى الكبير‏}‏ يعني‏:‏ القضاء فيكم ‏{‏للَّهِ العلى الكبير‏}‏ أي‏:‏ الرفيع فوق خلقه، القاهر لخلقه، ‏{‏الكبير‏}‏ بالقدرة، والمنزلة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 19‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ‏(‏13‏)‏ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ‏(‏14‏)‏ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ‏(‏15‏)‏ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ‏(‏16‏)‏ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏17‏)‏ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ‏(‏18‏)‏ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ثم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى يُرِيكُمْ ءاياته‏}‏ يعني‏:‏ عجائبه، ودلائله، من خلق السموات والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، وذلك أنه لما ذكر ما يصيبهم يوم القيامة، عظم نفسه تعالى‏.‏

ثم ذكر لأهل مكة من الدلائل ليؤمنوا به، فقال‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى يُرِيكُمْ ءاياته‏}‏ ‏{‏وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ السماء رِزْقاً‏}‏ يعني‏:‏ المطر‏.‏ ويقال‏:‏ الملائكة لتدبير الرزق‏.‏ ‏{‏وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ‏}‏ يعني‏:‏ ما يتعظ بالقرآن، إلا من يقبل إليه بالطاعة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَذَكَّرُ‏}‏ في هذا الصنيع، فيوحد الرب إلا من يرجع إليه، ‏{‏فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏ يعني‏:‏ اعبدوه بالإخلاص، ‏{‏وَلَوْ كَرِهَ الكافرون‏}‏ يعني‏:‏ وإن شق ذلك على المشركين، الكافرين‏.‏ ‏{‏رَفِيعُ الدرجات‏}‏ يعني‏:‏ رافع، وخالق السموات‏.‏ أي‏:‏ مطبقاً بعضها فوق بعض‏.‏ ويقال‏:‏ هو رافع الدرجات في الدنيا بالمنازل، وفي الآخرة الجنة ذو الدرجات، ‏{‏ذُو العرش‏}‏ يعني‏:‏ رافع العرش‏.‏ ويقال‏:‏ خالق العرش، هو رب العرش ‏{‏يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ‏}‏ يعني‏:‏ ينزل جبريل بالوحي ‏{‏على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ‏{‏لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق‏}‏ يعني‏:‏ ليخوف بالقرآن‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ ‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة‏.‏ يعني‏:‏ لتنذر يا محمد‏.‏ وقراءة العامة بالياء يعني‏:‏ لينذر الله‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لّيُنذِرَ‏}‏ من أنزل عليه الوحي ‏{‏يَوْمَ التلاق‏}‏ قرأ ابن كثير‏:‏ يَوْمَ التَّلاَقِي بالياء‏.‏ وهي إحدى الروايتين عن نافع، والباقون بغير ياء‏.‏ فمن قرأ بالياء فهو الأصل‏.‏ ومن قرأ بغير ياء، فلأن الكسر يدل عليه‏.‏ وقال في رواية الكلبي‏:‏ ‏{‏يَوْمَ التلاق‏}‏ يوم يلتقي أهل السموات، وأهل الأرض‏.‏ ويقال‏:‏ يوم يلتقي الخصم، والمخصوم، ‏{‏يَوْمَ هُم بارزون‏}‏ أي‏:‏ ظاهرين، خارجين من قبورهم، ‏{‏لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَئ‏}‏ يعني‏:‏ من أعمال أهل السموات، وأهل الأرض‏.‏

‏{‏لّمَنِ الملك اليوم‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هذا بين النفختين‏.‏ يقول الرب تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لّمَنِ الملك اليوم‏}‏‏؟‏ فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه‏:‏ ‏{‏للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ‏}‏‏.‏ قال بعضهم‏:‏ إن ذلك لأهل الجمع يوم القيامة‏.‏ يقول‏:‏ ‏{‏لّمَنِ الملك اليوم‏}‏ فأقر الخلائق كلهم، وقالوا‏:‏ ‏{‏للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ‏}‏‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ‏}‏ يعني‏:‏ ما عملت في الدنيا من خير أو شر، ‏{‏لاَ ظُلْمَ اليوم إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب‏}‏ وقد ذكرناه، ‏{‏وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الازفة‏}‏ يعني‏:‏ خوفهم بيوم القيامة‏.‏ فسمي الأزفة لقربه‏.‏ ويقال‏:‏ أزف شخوص فلان يعني‏:‏ قرب كما قال أَزِفَتِ الآزفة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِذِ القلوب لَدَى الحناجر‏}‏ من الخوف، لا تخرج، ولا تعود إلى مكانها، ‏{‏كاظمين‏}‏ أي‏:‏ مغمومين يتردد خوفهم في أجوافهم ‏{‏مَا للظالمين‏}‏ يعني‏:‏ المشركين ‏{‏مِنْ حَمِيمٍ‏}‏ أي قريب، ‏{‏وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ‏}‏ أي‏:‏ له الشفاعة فيهم‏.‏

‏{‏يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاعين‏}‏ هذا موصول بقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَئ‏}‏ وهو ‏{‏يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاعين‏}‏‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ الخائنة والخيانة واحدة، كقوله‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مواضعه وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فاعف عَنْهُمْ واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 13‏]‏‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏خَائِنَةَ الاعين‏}‏ يعني‏:‏ نظر العين إلى ما نهى الله عنه‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الغمزة فيما لا يحل له، والنظرة إلى المعصية‏.‏ ويقال‏:‏ النظرة بعد النظرة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاعين‏}‏ يعني‏:‏ يعلم غمزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى، ‏{‏وَمَا تُخْفِى الصدور‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏والله يَقْضِى بالحق‏}‏ أي‏:‏ يحكم بالحق‏.‏ ويقال‏:‏ يأمر بما يجب به الثواب، وينهى عما يجب به العقاب‏.‏ ‏{‏والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ‏}‏ يعني‏:‏ يعبدون من الآلهة‏.‏ قرأ نافع، وابن عامر‏:‏ ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة‏.‏ والباقون، بالياء على معنى الخبر عنهم‏.‏

‏{‏لاَ يَقْضُونَ بِشَئ‏}‏ يعني‏:‏ ليس لهم قدرة، ولا يحكمون بشيء، ‏{‏إِنَّ الله هُوَ السميع البصير‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏السميع‏}‏ لمقالة الكفار ‏{‏البصير‏}‏ بأعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ‏(‏21‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏22‏)‏‏}‏

أَوَلَمْ يِسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا‏}‏ يعني‏:‏ فيعتبروا، ‏{‏كَيْفَ كَانَ عاقبة‏}‏ يعني‏:‏ آخر أمر، ‏{‏الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً‏}‏ يعني‏:‏ منعة‏.‏ قرأ ابن عامر، ومن تابعه من أهل الشام ‏{‏أَشَدَّ مِنكُمْ‏}‏ بالكاف على معنى المخاطبة‏.‏ والباقون ‏{‏أَشَدُّ مِنْهُم‏}‏ بالهاء على معنى الخبر عنهم‏.‏

‏{‏أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى‏}‏ يعني‏:‏ أكثر أعمالاً‏.‏ ويقال‏:‏ أشد لها طلباً، وأبعد لها ذهاباً‏.‏ ‏{‏فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ عاقبهم الله ‏{‏وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ‏}‏ أي‏:‏ من مانع يمنعهم من عذاب الله‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي‏:‏ ذلك العذاب ‏{‏بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات‏}‏ يعني‏:‏ بالأمر، والنهي‏.‏ ويقال‏:‏ بالدلائل الواضحات، ‏{‏فَكَفَرُواْ‏}‏ بهم، وبدلائلهم، ‏{‏فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب‏}‏ أي‏:‏ عاقبهم الله بذنوبهم، إنه قادر على أخذهم، شديد العقاب لمن عاقب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 27‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏23‏)‏ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ‏(‏24‏)‏ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ‏(‏25‏)‏ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ‏(‏26‏)‏ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا‏}‏ التسع، ‏{‏وسلطان مُّبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ حجة بيّنة ‏{‏إلى فِرْعَوْنَ وهامان وَقَشرُونَ فَقَالُواْ ساحر كَذَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ لم يصدقوا موسى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا‏}‏ يعني‏:‏ بالرسالة، ‏{‏قَالُواْ اقتلوا أَبْنَاء الذين ءامَنُواْ مَعَهُ‏}‏ يعني‏:‏ أعيدوا القتل عليهم، ‏{‏واستحيوا نِسَاءهُمْ‏}‏ فلا تقتلوهن، ‏{‏وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال‏}‏ أي‏:‏ في خطأ بيّن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ‏}‏ لقومه ‏{‏ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى‏}‏ يعني‏:‏ خلوا عني، حتى أقتل موسى‏.‏ ‏{‏وَلْيَدْعُ رَبَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ ليدعوا ربه موسى، لكي يمنعه عني‏.‏ وذلك أن قومه كانوا يقولون‏:‏ أرجئه وأخاه، ولا تقتله حتى لا يفسدوا عليك الملك‏.‏ فقال لهم فرعون‏:‏ ‏{‏ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى‏}‏ فإِني أعلم أن صلاح ملكي في قتله‏.‏

‏{‏إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ عبادتكم إياي، ‏{‏أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الارض الفساد‏}‏ يعني‏:‏ الدعاء إلى غير عبادتي‏.‏ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو ‏{‏وَإِن يَظْهَرُوا‏}‏ على معنى العطف‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏أَوْ أَن يُظْهِرَ‏}‏ على معنى الشك، وكلاهما جائز‏.‏ وأو لأحد الشيئين‏:‏ إما لشك المتكلم أو أحدهما‏.‏ والواو للجمع، وتقع على الأمرين جميعاً‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ونافع، وعاصم ‏{‏يُظْهِرُ‏}‏ بضم الياء، وكسر الهاء، ‏{‏الفساد‏}‏ بالنصب‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏يُظْهِرُ‏}‏ بنصب الياء، والهاء، ‏{‏الفساد‏}‏ بالضم‏.‏ فمن قرأ‏:‏ يُظْهر بالضم‏.‏ فالفعل لموسى، والفساد نصب لوقوع الفعل عليه‏.‏ ومن قرأ يَظْهَر، فالفعل للفساد، فيصير الفسادُ رفعاً، لأنه فاعل‏.‏ فلما سمع موسى ذلك التهديد، استعاذ بالله من شره، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ موسى إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أستعيذ بربي، وربكم، ‏{‏مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ‏}‏ عن الإيمان يعني‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤْمِنُ‏}‏ أي‏:‏ لا يصدق ‏{‏بِيَوْمِ الحساب‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 35‏]‏

‏{‏وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ‏(‏28‏)‏ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ‏(‏29‏)‏ وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ‏(‏30‏)‏ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ‏(‏31‏)‏ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ‏(‏32‏)‏ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ‏(‏33‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ‏(‏34‏)‏ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ‏}‏ وهو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل‏.‏ ويقال‏:‏ كان ابن فرعون ‏{‏يَكْتُمُ إيمانه‏}‏، وكان قد أسلم سراً من فرعون‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ الله وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات مِن رَّبّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ اليد، والعصا‏.‏ وروى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عروة بن الزبير قال‏:‏ قلت لعبد الله بن عمرو‏:‏ حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال أبو بكر‏:‏ ‏{‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ الله وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات مِن رَّبّكُمْ‏}‏ ‏{‏وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ‏}‏ يعني‏:‏ فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة، ولا برهان‏.‏ ‏{‏وَإِن يَكُ صادقا‏}‏ في قوله، وكذبتموه، ‏{‏يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ‏}‏ من العذاب‏.‏ يعني‏:‏ بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ بعض الذي يعدكم فيه‏.‏ أي‏:‏ جميع الذي يعدكم، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَآءَ عيسى بالبينات قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 63‏]‏ أي‏:‏ جميع الذي تختلفون فيه، ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَهْدِى‏}‏ يعني‏:‏ لا يرشد، ولا يوفق إلى دينه، ‏{‏مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏كَذَّابٌ‏}‏ يعني‏:‏ الذي عادته الكذب‏.‏

‏{‏كَذَّابٌ ياقوم لَكُمُ الملك اليوم‏}‏ أي‏:‏ ملك مصر، ‏{‏ظاهرين فِى الارض‏}‏ أي‏:‏ غالبين على أرض مصر، ‏{‏فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله‏}‏ يعني‏:‏ من يعصمنا من عذاب الله، ‏{‏إِن جَاءنَا‏}‏ يعني‏:‏ أرأيتم إن قتلتم موسى، وهو الصادق، فمن يمنعنا من عذاب الله‏.‏ فلما سمع فرعون قول المؤمن، ‏{‏قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أرى‏}‏ يعني‏:‏ ما أريكم من الهدى، إلا ما أرى لنفسي‏.‏ ويقال‏:‏ ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب، ‏{‏وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد‏}‏ يعني‏:‏ ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى وقرئ في الشاذ ‏{‏الرشاد‏}‏ بتشديد الشين‏.‏ يعني‏:‏ سبيل الرشاد الذي يرشد الناس‏.‏ ويقال‏:‏ رشاد اسم من أسماء أصنامه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذى ءامَنَ‏}‏ وهو حزبيل ‏{‏ءامَنَ ياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الاحزاب‏}‏ يعني‏:‏ أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية، ‏{‏مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ‏}‏ أي مثل عذاب قوم نوح، ‏{‏وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ‏}‏ يعني‏:‏ لا يعذبهم بغير ذنب، ‏{‏لّلْعِبَادِ وياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد‏}‏ وهو من نَدَّ يَند، وهو من تنادى، يتنادى، تنادياً‏.‏

وروى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قرأ‏:‏ ‏{‏يَوْمَ التناد‏}‏ بتشديد الدال‏.‏ وقال‏:‏ تندون كما تند الإبل، وهذا موافق لما بعده، ‏{‏يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 34، 35‏]‏‏.‏

وقرأ الحسن يَوْمَ التَّنَادِي بالياء، وهو من النداء‏.‏ يوم ينادى كل قوم بأعمالهم‏.‏ وينادي المنادي من مكان بعيد‏.‏ وينادي أهل النار أهل الجنة‏.‏ وينادي أهل الجنة أهل النار ‏{‏ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 44‏]‏ وقراءة العامة‏.‏ التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء، فحذف الياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ هاربين‏.‏ قال الكلبي‏:‏ هاربين، إذا انطلق بهم إلى النار، فعاينوها، هربوا‏.‏ فيقال لهم‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ‏}‏ أي‏:‏ ليس لكم من عذاب الله من مانع‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ ذاهبين بعد الحساب إلى النار، كقوله‏:‏ ‏{‏فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ‏}‏ أي ذاهبين ‏{‏مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ‏}‏ يعني‏:‏ من مانع من عذابه‏.‏

‏{‏وَمَن يُضْلِلِ الله‏}‏ عن الهدى، ‏{‏فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ‏}‏ يعني‏:‏ من مرشد، وموفق‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات‏}‏ هذا قول حزبيل أيضاً لقوم فرعون قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ‏}‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ به أهل مصر، وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون، لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 91‏]‏ وإنما أراد به آباءهم ‏{‏بالبينات‏}‏ أي‏:‏ بتعبير الرؤيا‏.‏ وروي عن وهب بن منبه‏:‏ قال فرعون‏:‏ موسى هو الذي كان في زمن يوسف، وعاش إلى وقت موسى‏.‏ وهذا خلاف قول جميع المفسرين‏.‏ ‏{‏فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُمْ بِهِ‏}‏ من تصديق الرؤيا، وبما أخبركم، ‏{‏حتى إِذَا هَلَكَ‏}‏ يعني‏:‏ مات، ‏{‏قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً‏}‏‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ‏}‏ يعني‏:‏ من هو مشرك، شاك في توحيد الله‏.‏

ثم وصفهم فقال‏:‏ ‏{‏الذين يجادلون فِى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان‏}‏ أي‏:‏ بغير حجة ‏{‏أتاهم كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله‏}‏ أي‏:‏ عظم بغضاً لهم من الله، ‏{‏وَعِندَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ عند المؤمنين ‏{‏كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله‏}‏ أي‏:‏ يختم الله بالكفر، ‏{‏على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ‏}‏ يعني‏:‏ متكبر عن عبادة الله تعالى‏.‏ قرأ أبو عمرو‏:‏ ‏{‏قَلْبِ مُتَكَبّرٍ‏}‏ بالتنوين‏.‏ جعل قوله متكبر نعتاً للقلب‏.‏ ومعناه‏:‏ أن صاحبه متكبر‏.‏ والباقون‏:‏ ‏{‏قَلْبِ مُتَكَبّرٍ‏}‏ بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن المتكبر هو الرجل، وأضاف القلب إليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 46‏]‏

‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ‏(‏36‏)‏ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ‏(‏37‏)‏ وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ‏(‏38‏)‏ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ‏(‏39‏)‏ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏40‏)‏ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ‏(‏41‏)‏ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ‏(‏42‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ‏(‏43‏)‏ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ‏(‏44‏)‏ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ‏(‏45‏)‏ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياهامان ابن لِى صَرْحاً‏}‏ أي‏:‏ قصراً مشيداً ‏{‏لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب‏}‏ يعني‏:‏ أصعد طرق السموات، ‏{‏فَأَطَّلِعَ‏}‏ أي‏:‏ انظر ‏{‏إلى إله موسى‏}‏ الذي يزعم أنه أرسله‏.‏ وقال مقاتل، والقتبي‏:‏ ‏{‏أسباب السموات‏}‏ أبوابها‏.‏ قرأ عاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏فَأَطَّلِعَ‏}‏ بنصب العين‏.‏ والباقون‏:‏ بالضم‏.‏ فمن قرأ‏:‏ بالنصب‏.‏ جعله جواباً للفعل‏.‏ ومن قرأ بالضم رده إلى قوله‏:‏ أبلغ الأسباب، فأطلع‏.‏ ‏{‏وَإِنّى لاَظُنُّهُ كاذبا‏}‏ أي‏:‏ لأحسب موسى كاذباً في قوله‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ‏}‏ أي‏:‏ قبح عمله، ‏{‏وَصُدَّ عَنِ السبيل‏}‏ أي‏:‏ الدين، والتوحيد‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم‏:‏ ‏{‏وَصُدَّ‏}‏ بضم الصاد‏.‏ والباقون‏:‏ بالنصب‏.‏ فمن قرأ‏:‏ بالضم‏.‏ فمعناه‏:‏ إن فرعون صرف عن طريق الهدى‏.‏ يعني‏:‏ إن الشيطان زين له سوء عمله، وصرفه عن طريق الهدى‏.‏ ومن قرأ‏:‏ بالنصب‏.‏ فمعناه‏:‏ صرف فرعون الناس عن الدين‏.‏

‏{‏وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ‏}‏ أي‏:‏ ما صنع فرعون إلا في خسارة يوم القيامة، كقوله‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ‏}‏ ‏{‏صلى الله عليه وسلم‏}‏ ‏[‏المسد‏:‏ 1‏]‏ يعني‏:‏ إن فرعون اختار متاعاً قليلاً، وترك الجنة الباقية، فكان عمله في الخسارة‏.‏

‏{‏وَقَالَ الذى ءامَنَ‏}‏ وهو حزبيل ‏{‏عَلَيْهِ قَوْمٌ‏}‏ ‏{‏اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد‏}‏ يعني‏:‏ أطيعوني حتى أرشدكم، وأبيّن لكم دين الصواب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَبِيلَ الرشاد ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا‏}‏ أي‏:‏ قليل، ‏{‏وَإِنَّ الاخرة هِىَ دَارُ القرار‏}‏ لا زوال لها‏.‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا‏}‏ يعني‏:‏ من عمل الشرك فلا يجزى إلا النار في الآخرة‏.‏ ‏{‏وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏ يعني‏:‏ من رجل، أو امرأة، ‏{‏فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ أي‏:‏ بغير مقدار‏.‏ وقال بعض الحكماء‏:‏ إن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً‏}‏ ولم يقل من ذكر أو أنثى‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى‏}‏ لأن العمل الصالح يَحْسُن من الرجل، والمرأة‏.‏ والسيئة من المرأة، أقبح من الرجل‏.‏ فلم يذكر من ذكر أو أنثى‏.‏ ‏{‏حِسَابٍ وياقوم مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة‏}‏ يعني‏:‏ أن حزبيل قال لقومه‏:‏ ما لي أدعوكم إلى التوحيد، والطاعة، وذلك سبب النجاة، والمغفرة، فلم تطيعوني، ‏{‏وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار‏}‏ يعني‏:‏ إلى عمل أهل النار‏.‏

ثم بيّن عمل أهل النار فقال‏:‏ ‏{‏تَدْعُونَنِى لاَكْفُرَ بالله‏}‏ يعني‏:‏ لأجحد بوحدانية الله، ‏{‏وَأُشْرِكَ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ أشرك بالله، ‏{‏مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ‏}‏ يعني‏:‏ ما ليس لي به حجة بأن مع الله شريكاً، ‏{‏وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار‏}‏ يعني‏:‏ إلى دين العزيز الغفار ‏{‏العزيز‏}‏ في ملكه ‏{‏الغفار‏}‏ لمن تاب‏.‏

‏{‏لاَ جَرَمَ‏}‏ أي‏:‏ حقاً يقال ‏{‏لاَ جَرَمَ‏}‏ يعني‏:‏ لا بد‏.‏ ‏{‏أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا‏}‏ أي‏:‏ ليس له قدرة‏.‏ ويقال‏:‏ ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا‏.‏ ‏{‏وَلاَ فِى الاخرة وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله‏}‏ أي مصيرنا، ومرجعنا إلى الله يوم القيامة، ‏{‏وَأَنَّ المسرفين‏}‏ يعني‏:‏ المشركين، ‏{‏هُمْ أصحاب النار‏}‏ يعني‏:‏ هم في النار أبداً‏.‏

‏{‏فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ستعرفون إذا نزل بكم العذاب، وتعلمون أن ما أقول لكم من النصيحة أنه حق‏.‏ ‏{‏وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله‏}‏ يعني‏:‏ أمر نفسي إلى الله، وأدع تدبيري إليه، ‏{‏إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد‏}‏ يعني‏:‏ عالم بأعمالهم، وبثوابهم‏.‏ فأرادوا قتله، فهرب منهم، فبعث فرعون في طلبه، فلم يقدروا عليه، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ دفع الله عنه شر ما أرادوا، ‏{‏وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ‏}‏ يعني‏:‏ نزل بهم ‏{‏سُوء العذاب‏}‏ يعني‏:‏ شدة العذاب، وهو الغرق‏.‏

‏{‏النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ تعرض أرواحهم على النار، ‏{‏غُدُوّاً وَعَشِيّاً‏}‏ هكذا قال قتادة، ومجاهد، وقال مقاتل‏:‏ تعرض روح كل كافر على منازلهم من النار كل يوم مرتين‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ «أَرْوَاحُهُم في جوْف طَيْر سُودٍ يَرَوْنَ مَنَازِلهم غُدوة وَعَشِيَّةً»‏.‏ وقال هذيل بن شرحبيل‏:‏ «أرواح الشهداء في جوف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش»‏.‏ وإن أرواح آل فرعون في جوف طير سود تغدو، وتروح، على النار فذلك عرضها‏.‏ والآية تدل على إثبات عذاب القبر، لأنه ذكر دخولهم النار يوم القيامة‏.‏ وذكر أنه تعرض عليهم النار قبل ذلك غدواً وعشياً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة‏}‏ يعني‏:‏ يقال لهم يوم القيامة‏:‏ ‏{‏النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا‏}‏‏.‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏أَدْخِلُواْ‏}‏ بضم الألف، والخاء‏.‏ وهكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر‏.‏ والباقون‏:‏ بنصب الألف، وكسر الخاء‏.‏ فمن قرأ ‏{‏أَدْخِلُواْ‏}‏ بالضم‏.‏ فمعناه‏:‏ ادخلوا يا آل فرعون ‏{‏أَشَدَّ العذاب‏}‏، فصار الآل نصباً بالنداء‏.‏ ومن قرأ ‏{‏أَدْخِلُواْ‏}‏ بالنصب‏.‏ معناه‏:‏ يقال للخزنة‏:‏ أدخلوا آل فرعون‏.‏ يعني‏:‏ قوم فرعون ‏{‏أَشَدَّ العذاب‏}‏ يعني‏:‏ أسفل العذاب‏.‏ فصار الآل نصباً لوقوع الفعل عليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 52‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ‏(‏47‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ‏(‏48‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ‏(‏49‏)‏ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ‏(‏50‏)‏ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ‏(‏51‏)‏ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ‏}‏ أي‏:‏ يتخاصمون في النار الضعفاء، والرؤساء، فَيَقُولُ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا‏}‏ يعني‏:‏ لرؤسائهم ‏{‏إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا‏}‏ في الدنيا ‏{‏فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا‏}‏ أي‏:‏ حاملون عنا، ‏{‏نَصِيباً مّنَ النار‏}‏ يعني‏:‏ بعض الذي علينا من العذاب، باتباعنا إياكم، كما كنا ندفع عنكم المؤونة في دار الدنيا‏.‏

‏{‏قَالَ الذين استكبروا‏}‏ يعني‏:‏ الرؤساء يقولون للضعفاء‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُلٌّ فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ نعذب نحن، وأنتم على قدر حصصكم في الذنوب، فلا يغني واحد واحداً، ‏{‏إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد‏}‏ أي‏:‏ قضى بين العباد، بين التابع والمتبوع‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏حَكَمَ بَيْنَ العباد‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم‏.‏

‏{‏وَقَالَ الذين فِى النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ‏}‏ إذا اشتد عليهم العذاب ‏{‏ادعوا رَبَّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ سلوا ربكم‏.‏ ‏{‏يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ العذاب‏}‏ يعني‏:‏ يوماً من أيام الدنيا، حتى نستريح، فترد الخزنة عليهم فتقول‏:‏ ‏{‏قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات‏}‏ يعني‏:‏ ألم تخبركم الرسل أن عذاب جهنم إلى الأبد‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات‏}‏ يعني‏:‏ ألم تخبركم الرسل بالدلائل، والحجج، والبراهين، فكذبتموهم‏.‏ ‏{‏قَالُواْ بلى قَالُواْ فادعوا‏}‏ يعني‏:‏ تقول لهم الخزنة، فادعوا ما شئتم، فإنه لا يستجاب لكم‏.‏ ‏{‏وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِى ضلال‏}‏ أي‏:‏ في خطأ بيّن‏.‏

‏{‏إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا‏}‏ بالغلبة، والحجة، ‏{‏والذين ءامَنُواْ‏}‏ بهم يعني‏:‏ الذين صدقوهم ‏{‏وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم‏}‏ أي‏:‏ بالحجة، والغلبة على جميع الخلق‏.‏ يعني‏:‏ على جميع أهل الأديان ‏{‏وَيَوْمَ يَقُومُ الاشهاد‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ الحفظة من الملائكة، يشهدون عند رب العالمين للرسل بالبلاغ، وعلى الكافرين بتكذيبهم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ يوم القيامة يقوم الرسل عند رب العالمين، ‏{‏يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لا ينفع الكافرون اعتذارهم‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏يَوْمٌ لاَّ تَنفَعُ‏}‏ بالتاء بلفظ التأنيث، لأن المعذرة مؤنثة‏.‏ والباقون‏:‏ بالياء‏.‏ وانصرف إلى المعنى، يعني‏:‏ لا ينفع لهم اعتذارهم ‏{‏وَلَهُمُ اللعنة‏}‏ أي‏:‏ السخطة ‏{‏وَلَهُمْ سُوء الدار‏}‏ أي‏:‏ عذاب جهنم‏.‏